عمر بن سهلان الساوي
417
البصائر النصيرية في علم المنطق
فان كانت حاصلة فينا من مبدأ نشوئنا ونحن لا نشعر بها فهو عجيب وكيف ولم يخطر البتة ببالنا في عهد الصبا « أن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية » أو « الشيء الواحد لا يخلو من أحد طرفي النقيض » . وان حدثت بعد ما لم تكن فحدوثها بطريق البرهان أو دونه ، فان كانت حدثت من غير برهان أو همت المحال بموجب قولكم لأنكم حسمتم سبيل اقتناص المجهولات التصديقية دون البرهان ، وان حدثت بطريق البرهان لزم التسلسل والدور وهما محالان . فالطريق إلى حل هذا العويص هو : أنها ليست حاصلة منذ خلقنا بالفعل بل بالقوّة ، وليس كل علم تصديقي حصل بعد ما لم يكن فحصوله بالبرهان بل ما إذا تصوّرت مفرداته وروعيت النسبة بينها بالايجاب أو السلب توقف الذهن عن الحكم الجزم فيها . والأوّليات ليست من هذا القبيل ، بل الذهن إذا تصوّر مفرداتها لم يتوقف في الحكم بالنسبة الواجبة بينها على شيء آخر ، وانما لم تكن حاصلة بالفعل لفقدانها ما يجب تقدمه عليها من التصوّر ، فان كل تصديق فيتقدمه تصوّرات كما عرفت ، وشبكة اقتناص هذه التصورات هي الحواس فما لم تنطبع المحسات فيها ولم تتأدّ منها إلى الخيال لم يأخذ العقل في التصرف فيها . وبيان هذا أن لنا قوّة درّاكة لبعض المعقولات بلا تعلم واكتساب ولبعضها بتعلم ، وقد عرفت طريق التعلم وما ندركه بلا تعلم فهو بمعاونة الحس الظاهر والباطن ، فان الحس - وليكن حس البصر - إذا أدرك شجرة أو انسانا أو فرسا ، تأدّت تلك الصورة المنطبعة من الحس إلى الخيال وهو من الحواس الباطنة . ثم أقبلت القوّة الدرّاكة للمعقولات على هذه الصور فالّفتها متفقة في أشياء مختلفة في أخرى ، فميزت المتفق فيه وهي الجسمية عن المختلف فيه وهي الحيوانية والنباتية ، وميزت الحيوانية المتفق فيها بين الانسان والفرس عما اختلفا فيه من الانسانية والفرسية ، فيكون هذا اقتناص المعاني الكلية . ثم اعتبرت الذاتية والعرضية بين الأوصاف والموصوفات في هذه